صنعةُ الكتابة عند العرب

الكتابة فی اللغة مصدر كتب یكتُبُ كتْباً وكتاباً وكِتابةً ومكْتَبة وكِتبة فهو كاتب ومعناها الجمع، ومنه قیل لجماعة الخَیل كتیبة،  ومن ثَمَّ سمِّیَ الخط كتابة لجمع الحروف بعضها إلى بعض. قال ابن الأعرابی: وقد نطلق الكتابة على العلم ومنه قوله تعالى فی سورة الطور/ 41: {أم عنْدَهمُ الغَیْبُ فَهُمْ یكتبُون}. أی یعلمون. وعلى حدِّ ذلك قوله (صلى الله علیه وسلم) فی كتابه لأهل الیمن حین بعث إلیهم معاذاً وغیره "إنی بعثت إلیكم كاتباً". قال ابن الأثیر فی غریب الحدیث:"أراد عالماً سُمِّی بذلك لأنه الغالب على مَنْ كان یعلم الكتابة أن عنده علماً ومعرفة، وكان الكاتب عندهم قلیلاً وفیهم عزیزاً".(1).

*فضل الكتابة:

أعظم شاهد لجلیل قدْرها وأقوى دلیل على رفعة شأنها أن الله تعالى نسب تعلیمها إلى نفسه، واعتدَّه من وافر كرمه وإفضاله فقال فی سورة العلق/4: {إقْرأ وربُّكَ الأكْرَمْ الَّذی عَلَّمَ بالْقَلَمْ عَلَّمَ الإنْسَانَ ما لَمْ یَعْلَمْ}. مع ما یروى أن هذه الآیة والتی قبلها مفتتح الوحی فی قول معظم المفسرین، وأول التنزیل على أشرف نبیّ وأكرم مرسل (صلى الله علیه وسلم)، وفیه دعوة إلى القراءة والكتابة والعلم. روى سعید عن قتادة قال: "القلم نعمة من الله تعالى عظیمة، لولا ذلك لم یقم دین، ولم یصلح عیش، فدلَّ على كمال كرمه سبحانه بأنه علَّم عباده مالم یعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبَّه على فضل علم الكتابة، لما فیه من المنافع العظیمة، التی لا یحیط بها إلا هو". (2). وفی ذلك من الاهتمام بشأنها ورفعة شأوها مالا خفاء فیه. ولذلك نقل صاحب البیان والتبیین: "القلم أحد اللسانین، كما قالوا: القلم أبقى أثراً واللسان أكثرُ هذراً".(3).

وقد بیَّن الله شرفها بأن وصف بها الحَفَظة الكرام من ملائكته فقال  جلَّتْ قدرته فی سورة الانفطار/5: {وإِنَّ عَلَیْكُمْ لَحَافِظِینَ كِرَاماً كاتِبِین}. ولا أعلى رتبةً وأبذخ شرفاً مما وصف الله تعالى به ملائكته ونعت به حَفَظَتَه، ثم زاد ذلك تأكیداً بأن أقسم بالقلم الذی هو آلة الكتابة وما یُسطَّرْ به فقال تقدَّست أسماؤه فی سورة القلم/1: {ن. والقَلَمِ وما یَسْطُرُون. وما أنْتِ بِنعْمَةِ ربِّكَ بِمَجْنُون}.  والإقسام لا یقع منه سبحانه إلا بشریف ما أبدع، وكریم ما اخترع: كالشمس والقمر والنجوم ونحوها، إلى غیر ذلك من الآیات الدالة على شرفها ورفعة قدرها. قال سعید  ابن العاص: "من لم یكتب فیمینه یُسْرى"، وقال معن بن زائدة: "إذا لم تكتب الید فهی رِجْل". وبالغ مكحول فقال: "لا دِیَّة لیدلا تكتب...". وقال ابن المقفع: "الملوك أحوج إلى الكتّاب من الكتَّاب إلى الملوك"(4).

وأورد القلقشندی(5) رسائل فی المفاخرة بین السیف والقلم، إشارة إلى أن بهما قِوام الملك وترتیب السلطنة، بل ربما فضل القلم على السیف ورجَحَ علیه بضروب من وجوه الترجیح. كما قال أبو الفتح البستی مفضلاً القلم بقسم الله تعالى به:

إن افتخر الأبطالُ یوماً بسیفهم *** وعدُّوه مما یكسِبُ المجدَ والكرم

كفى قلم الكتاب عِزاً ورِفْعةً *** مدى الدهر أنْ الله أقسم بالقلم

وكما قال النوبختی:

كذا قال اللهُ للأقلام مُذْ بُرِیَت *** أنَّ السیوفَ لها مُذْ أرهِفَتْ خدَمُ

وعلى النقیض الآخر أورد الحصری(6) ما قاله أیضاً بعض أنصار السیف: كقول أبی تمَّام:

السَّیفُ أصدقُ إنباءً من الكُتُبِ *** فی حَدِّهِ بَینَ الجِدِّ واللعبِ

والمتنبی:

حتى رَجَعْتُ وأقلامی قوائِلُ لی *** المجدُ للسَّیف لیسَ المجدُ للقَلَمِ

*ما قاله السَّلف عن أمیَّة الرسول:

قد یسأل سائل: إذا كان الأمر كذلك فَلِم كان الرسول الأعظم أمیَّاً؟.. وفی الجواب أشار الأقدمون إلى أن الكتابة حُرِّمت على النبی ردَّاً على الملحدین حیث نسبوه إلى الاقتباس من كتب المتقدمین، كما أخبر تعالى بقوله فی سورة الفرقان/5: {وقالُوا أَسَاطِیْرِ الأوَّلِیْنَ اكْتَتَبَهَا فَهِیَ تُمْلَى عَلَیْهِ بُكْرَةً وأَصِیْلا}. وأكد ذلك بقوله فی سورة العنكبوت/48: {وما كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ ولا تْخُطُّهُ بِیَمِینِكَ إذاً لارتابَ المُبْطِلون}. قال العتبیّ: "الأمِّیَّة فی رسول الله (صلى الله علیه وسلم) فضیلةٌ وفی غیره نقیصةٌ (7). وهی المعجزة الخالدة له لأن الله لم یعلِّمه الكتابة لتمكُّن الإنسان بها من الحیلة فی تألیف الكلام، واستنباط المعانی، فیتوسل الكفَّار إلى أن یقولوا اقتدر بها على ما جاء به. وفی الحدیث الشریف: "أوتیتُ جوامع الكَلِم واخْتُصِرَ لِیَ الكلام اختصاراً".(8).

*فضل العربیة:

قال العرب والمنصفون من الأعاجم أن العربیة تامة الحروف، كاملةُ الألفاظ، إذ لم ینقص عنها شیء من الحروف فیشینَها نُقصانُه، ولم یزد فیها شیء فیعیبها زیادته. وقد خُبِرْتُ هذا عن تجربة؛ فترى العرب قادرین على إخراج مختلف الأصوات والنبرات الأعجمیة، وما ذلك إلا بسبب احتواء العربیة على جمیع مخارج الحروف. ومن خصائصها  أنه یوجد فیها من الإیجاز ما لا یوجد فی غیرها من اللغات؛ فمن الإیجاز الواقع فیها أنَّ  للضَّرب كلمة واحدة فتوسعوا فیها؛ فقالوا للضرب فی الوجه لَطْم، وفی القفا صَفْع، وفی الرأس إذا أدْمى شَجّ، فكان قولُهم لُطِم أوجز من ضُرِب على وجهه، وكذلك اسم محمد بالعربیة مثلاً فإنه یتألف من أربعة حروف، بینما هو فی الإنكلیزیة وسائر اللغات المتفرعة عن اللاتینیة یتألف من ثمانیة أحرف MUHAMMAD، ذلك أن الحروف الصوتیة والمضاعفة فی العربیة مشكولة وهناك مكتوبة.

ونقل ابن قتیبة فی "عیون الأخبار"(9)، عن ابن شُبْرُمة قوله: "إذا سرَّك أن تعظم فی عین من كنت فی عینیه صغیراً، ویصغُر فی عینیك من كان فی عینیك عظیماً فتعلَّم العربیة، فإنها تجریك على المنطق، وتدنیك من السلطان".

*ذكر ما یحتاج الكاتب إلى معرفته من الأمور الكُلِّیَّة:

قال النویری(10) أن أول ما یبدأ به من ذلك حفظ كتاب الله تعالى، وملازمة درسه، وتدبر معانیه، ویتلو ذلك الاستكثار من حفظ الأحادیث النبویة، وخصوصاً فی السِیَر والمغازی والأحكام، ثم قراءة ما یتفق من كتب النحو، وما یتهیأ من مختصرات اللغة، ویتصل بذلك حفظ خطب البلغاء من الصحابة وغیرهم، ومخاطباتهم ومحاوراتهم ومراجعاتهم ومكاتباتهم. وأیضاً النظر فی أیام العرب ووقائعهم وحروبهم، ثم النظر فی التواریخ ومعرفة أخبار الدول، وحفظ أشعار العرب ومطالعة شروحها واستكشاف غوامضها، والتوفر على ما اختاره العلماء بها منها. وكذلك حفظ جانب جید من شعر المحدَثین، والنظر فی رسائل المتقدمین، وكتب الأمثال، والأحكام السلطانیة. وأما الأمور الخاصة التی تزید معرفتها قدره، ویزین العلم بها نظمَه ونثرَه فإنها من المكملات لهذا الفن. ومن ذلك علم المعانی والبیان والبدیع، ومنها ذَكَر الفصاحة والبلاغة والحقیقة والمجاز.

*ذكر ما یحتاج إلیه الكاتب من الأمور اللغویة:

لا مِریة فی أن اللغة هی "رأسُ مال الكاتب، وأسُّ كلامه، وكنز إنفاقه؛ من حیث أن الألفاظ قوالب للمعانی التی یقع التصرف فیها بالكتابة. وحینئذٍ یحتاج إلى طول الباع فیها، وسعة الخطو، ومعرفة بسائطها؛ من الأسماء والأفعال والحروف، والتصرف فی وجوه دلالتها الظاهرة والخفیة، لیقتدر بذلك على استعمالها فی محالَّها ووضعها فی مواضعها اللائقة بها، ویجد السبیل إلى التوسع فی العبارة عن الصور القائمة فی نفسه، فیتسع علیه نطاق النطق، وینفسح له المجال فی العبارة، وینفتح له باب الأوصاف فیما یحتاج إلى وصفه، وتدعو الضرورة إلى نعته؛ فیستظهر على ما ینشیه، ویحیط علماً بما یذره ویأتیه".(11).

ولا یخفى  أن الكاتب یحتاج فی كماله إلى معرفة لغة الكتب التی یطالعها فی مجال تخصصه، وهذا قد یعنی الإلمام بلغة أو أكثر من اللغات الأعجمیة. وقد روى محمد بن عمر المدائنی فی "كتاب القلم والدواة"، بسنده إلى زید بن ثابت (رضی الله عنه)، قال: قال رسول الله (صلى الله علیه وسلم): "إنه یرِدُ علیَّ أشیاء من  كلام السریانیة لا أحسنُها فتعلَّمْ كلامَ السریانیة فتعلَّمتُها فی ستة عَشَرَ یوماً"(12). من هنا اهتم العرب بتعلم اللغات الأعجمیة، ووضعوا شرائط للترجمان كالتی أوردها الجاحظ: "وكلما كان الباب من العلم أعسر وأضیق، والعلماءُ به أقلَّ، كان أشد على المترجم، وأجدرَ أن یخطئ فیه. ولن تجد البتة مترجماً یفی بواحد من هؤلاء العلماء". (13).

*ذكر ما یحتاج إلیه الكاتب من المعرفة بالنحو:

أجمع العرب على أن النحو هو قانونُ العربیة، ومیزانُ تقویمها، وهو لها ـ كما قیل ـ كالملح فی الطعام، ونقل القلقشندی عن صاحب "المثل السائر": "وهو أوَّلُ ما ینبغی إثبات معرفته؛ على أنه لیس مختصاً بهذا العلم خاصة بل بكل علم؛ لا بل ینبغی معرفته لكل أحد ینطق باللسان العربی لیأمن معرَّة اللحن. ومن كلام مالك بن أنس: "الأعراب حَلْیُ اللسان فلا تمنعوا ألسنَتَكُم حُلِیَّها". ولله درُّ أبی سعید البصری حیث یقول:

النَّحْوُ یبسُطُ من لِسانِ الألْكَنِ *** والمرْءُ تُكْرِمُهُ إذا لم یَلْحَنِ

وإذا طَلَبْتَ من العُلومِ أَجَلَّها *** فأجلُّها عندی مُقِیمُ الألْسُنِ

وقد رُوی أن أعرابیاً قرأ الآیة 28 من سورة فاطر هكذا: {إِنَّما یَخْشَى اللهُ من عِبادِهِ العُلماء}. برفع الأول ونصب الثانی، فوقع فی الكفر، بنقل فتحة إلى ضمَّة وضمَّة إلى فتحة، فقیل له: یا هذا إن الله تعالى لا یخشى أحداً! فتنبه لذلك وتفطن له"(14). ولذا قال مَسْلَمَةُ بن عبد الملك: "اللحن فی الكلام أَقْبَح من الجدری فی الوجه(15)، قال القلقشندی:"واعلم أن اللحن قد فَشَا فی الناس، والألسنة قد تغیرت حتى صار التكلم بالإعراب عیباً، والنطق بالكلام الفصیح عِیَّاً... ووقف بعض الخلفاء على كتاب لبعض عماله فیه لَحْنٌ، فی لفظه، فكتب إلى عامله: قَنِّعْ كاتبَك هذا سوطاً معاقبةً على لحنه، قال أحمد بن یحیى: كان هذا مقدار أهل العلم، وبحسبه كانت الرغبةُ فی طلبه والحِذْرِ من الزلل... فكیف لو أبصر بعضَ كُتَّابِ زماننا هذا؟ قد قال ذلك فی زمانِهِ هو وفی الناس بعض الرمق، والعلم ظاهر وأهلُهُ مكْرَمون، وإلا فلو عَمَرَ إلى زماننا نحن [بل فما بالك بزماننا نحن!">. لقال [تِلْكَ أُمَّةٌ قدْ خَلَتْ">"(16)، ولكان لسان حاله كما قال الشاعر:

تعس الزمان! فقد أتى بعُجابٍ *** ومَحا فُنُون الفضلِ والآدابِ

وأتى بِكُتَّابِ لو انبسطتْ یَدی *** فِیهم ردَدتُهُمْ إلى الكُتَّابِ

*ذكر ما یحتاج إلیه الكاتب من الأمور العلمیة:

لعل أحسن ما قیل فی هذا الباب ما أورده ابن قتیبة عن كتابه النفیس: "أدب الكاتب".(17)، من أنه لیس لمن لم یتعلق من الإنسانیة إلا بالجسم، ولا من الكتابة إلا بالاسم، ولم یتقدم من الأداة إلا بالقلم والدواة: ولكنه لمن شَدا شیئاً من الإعراب فعرف الصَّدْرَ والمصدر، والحال والظرف، وشیئاً من التصاریف والأبنیة، وانقلابَ الیاء عن الواو، والألف عن الیاء، وأشباه ذلك. ولابد له من النظر فی الأشكال لِمساحة الأرضین، حتى یعرفَ المثلث القائم الزاویة، والمثلث الحادّ، والمثلث المنفرج، ومساقط الأحجار، والمربعات المختلفات، والقِسیّ والمدوَّرات، والعمودَیْن، ویمتَحن معرفته بالعمل فی الأرضین لا فی الدفاتر، فإنَّ المُخبَر عنه لیس كالمُعاین". وكانت العجم تقول: من لم یكن عالماً بإجراء المیاه،  وحفر فُرَضِ المشارب ورَدْمِ المَهاوی ومجاری الأیام فی الزیادة والنقص، ودوران الشمس، ومطالع النجوم، وحال القمر فی استهلاكه واتصاله، ووزن الموازین، وذَرْع المثلث والمربع والمختلف الزوایا، ونصْبِ القناطر، والجسور، والدَّوالی، والنواعیر على المیاه، وحال أدوات الصنَّاع، ودقائق الحساب، كان ناقصاً فی حال كتابته. ولابدَّ له من النظر فی جمل الفقه ومعرفة أصوله... والحدیث... ودراسة أخبار الناس، وتحفُّظ عیون الحدیث لیُدْخِلَها فی تضاعیف سطوره متمثلاً بها إذا كَتب ویصل بها كلامه إذا حاور". ثم خفَّفَ على الكتَّاب بعد ذلك قائلاً: "ومدار الأمر على القُطْب، وهو العقل وجودة القریحة، فإن القلیل معهما بإذن الله تعالى كافٍ، والكثیر مع غیرهما مقصِّر"، وختم ذلك بالقول: "ونستحبُّ له أن یُنَزِّلَ ألفاظَه فی كتُبِه فیجعلها على قَدْرِ الكاتب والمكتوب إلیه، وألا یعطی خسیسَ الناس ریعَ الكلام، ولا رفیع الناس خسیسَ الكلام".

وتابعه الوزیر ضیاء الدین بن الأثیر فی "المثل السائر"، وأبو هلال العسكری فی بعض ذلك. قال الأخیر فی بعض أبواب كتابه: "الصناعتین". (18). "ینبغی أن تعلم أن الكتابة تحتاج إلى آلاتٍ كثیرة، وأدوات جمَّة: من معرفة العربیة لتصحیح الألفاظ وإصابة المعنى؛ وإلى الحساب وعلم المساحة والمعرفة بالأزمنة والشهور والأهلَّة وغیر ذلك مما لیس هذا موضع ذكره وشرحه"، وخالف أبو جعفر النحاس فی كثیر من ذلك فذكر فی أول كتابه "صناعة الكتابة" فی المرتبة الثانیة منه بعدما یتعلق بالخط: أن من أدوات الكتابة البلاغة، ومعرفة الأضداد مما یقع فی الكسب والرسائل والعلم بترتیب مما یقع بترتیب أعمال الدواوین، والخبرة بمجاری العمال، والدُّرْبة بوجوه استخراج الأموال مما یجب ویمتنع. ثم قال فهذه الآلات لیس لواحد منها بذاته، ولا انفراد باسم یخصُّه، وإنما هو جزء من الكتابة وأصل من أركانها، أما الفقه والفرائض والعلم بالنحو واللغة وصناعة الحساب والمساحة والنجوم، والمعرفة بإجراء المیاه، والعلم بالأنساب فكل واحد منها منفرد على حدته، وإن كان الكاتب یحتاج إلى أشیاء منها نحو ما یُكْتبُ بالألف والیاء، وإلى شیء من المقصور والممدود". وزاد القلقشندی على ذلك: "والتحقیق أن ذلك یختلف باختلاف حال الكتابة بحسب تنوُّعها؛ فكل نوع من أنواعه یحتاج إلى معرفة فن أو فنون تختصُّ به.... فلیس احتیاجه إلى ذلك على حدٍّ واحد: بل منها ما یحتاج إلیه بطریق الذات، وهی مواد الإنشاء التی یستمد منها ویقتبس من مقاصدها... ومنها ما یحتاج إلیه بطریق العَرض كالطبِّ والهندسة والهیئة ونحوها من العلوم... لینظم ذلك فی خلال كلامه فیما یكتب به من متعلَّقات كل فن من هذه الفنون  كالألفاظ الدائرة بین أهل الطب ومشاهیر أهله وكتبه فیما یكتب به لرئیس الطب، ونحو ذلك من الهیئة فیما یكتب به لمنجِّم، ونحوه من الهندسة فیما یكتب به لمهندس".(19).

*المنهج العلمی فی الكتابة عند العرب وما قالوه فی البلاغة والفصاحة والإیجاز:

تكلم رجل عند النبی (صلى الله علیه وسلم) فقال له النبی (صلى الله علیه وسلم): "كم دون لسانك من حِجاب؟". قال: شفتای وأسنانی. فقال له: "إن الله یكرهُ الانبِعاق فی الكلام [الاندفاع فیه بلا توقف">، فَنَضَّرَ اللهُ وجْهَ رجلٍ أوجز فی كلامِهِ، واقتصر على حاجتهِ"، وسُئِلَ النبیُّ (صلى الله علیه وسلم): فیم الجمال؟ فقال:"فی اللسان" یرید البیان. وقال أیضاً: "إنَّ من البیان لسحرا".(20).

قال العاملی فی "أسرار البلاغة"(21): "البلاغة تختص بالمعانی، والفصاحة تختص بالألفاظ، والإیجاز یختص بهما. قال عبد الحمید الكاتب، وكان وزیر مروان بن محمد آخر خلفاء بنی أمیة، وبه یضرب المثل فی الكتابة والبلاغة: البلاغة ما فَهِمَتْهُ العامة، ورضیته الخاصة... وقیل لابن المقفع: ما البلاغة؟.. فقال: التی إذا سمعها الجاهل ظن أنه یحسن مثلَها. وسُمِّیَت بلاغة لأن المتكلم یبلغ بها الكثیر من الغرض فی القلیل من المعانی. والفصاحة: حدُّها التخلُّصُ من التعقید والتنافر وضعف التألیف، لأنه یُقال: لفظ فصیح، ومعنى بلیغ، والإیجاز: هو تقلیل اللفظ، وتكثیر المعنى. وهو على قسمین: إیجاز قَصَر، وإیجاز حذف. فإیجاز القصر: هو التعبیر عن المعنى بأقل ما یمكن  من الألفاظ، كقوله تعالى فی سورة الحجر/ 94 مخاطباً لنبیه محمد (صلى الله علیه وسلم) : {فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرْ}. فهذه ثلاث كلمات اشتملت على جمیع معانی الرسالة... وإیجاز الحذف: هو الاستغناء بالمذكور عما لم یُذْكَر، مثل قوله تعالى فی سورة یوسف/ 82: {واسْألِ القَرْیَة الَّتی كُنَّا فِیها}. والمراد أهل القریة".

أقول ویصعب الإحاطة بما قاله العرب فی هذا الباب، وإنما أسوق فیما یلی غیضاً من فیض. قال صاحب "العقد الفرید".(22): "أشرفُ الكلام كلّه حسناً، وأرفعه قَدْراً، وأعظمه من القلوب موقعاً، وأقلُّه على اللسان عملاً، ما دلَّ بعضُهُ على كلِّه، وكفى قلیلُهُ عن كثیرِهِ، وشهد ظاهرهُ على باطنه، وذلك أن تقلَّ حروفُهُ، وتكثر معانیه، ومنه قولهم: ربَّ إشارة أبلغُ من لفظ". وقیل فی تعریف البلاغة أیضاً أن یبلغ الرجل بعبارته كَنْهَ ما فی نفسه. ولا یسمى البلیغ بلیغاً إلا إذا جمع المعنى الكثیر فی اللفظ القلیل، وهو المسمى إیجازاً... ولا یسمى الفصیح فصیحاً حتى تخلُص لغته عن اللكنة الأعجمیة". وقال الجاحظ فی "البیان والتبیین".(23): "وأحسن الكلام ماكان قلیله یغنیك عن كثیره، ومعناه فی ظاهر لفظه.... فإذا كان صحیح الطبع، بعیداً عن الاستكراه، ومنزّهَاً عن الاختلال مصوناً عن التكلُّف صنع فی القلوب صنیع الغیث فی التربة الكریمة". وزاد فی مكان آخر: "إیَّاكَ والتتبُّع لوحشیِّ الكلام طمعاً فی نیل البلاغة، فإن ذلك هو العیُّ الأكبر".

ونقل صاحب "العمدة" (24) عن ابن المقفع قوله فی البلاغة أیضاً أنها "اسم لمعانٍ تجری فی وجوه كثیرة؛ فمنها ما یكون فی السكوت، ومنها ما یكون فی الاستماع، ومنها ما یكون جواباً... فعامَّة هذه الأبواب الوحی فیها والإشارة إلى المعنى والإیجاز هو البلاغة. فانظر كیف جعل ابن المقفع من المسكوت بلاغة، رغبةً فی الإیجاز". ومثل ذلك ما قاله المبرِّد فی "الكامل"(25): خیر الكلام ما أغنى اختصاره عن إكثاره".

أما أصحاب "دائرة المعارف الإسلامیة"، فقالوا إن البلاغة هی "جودة الكلام... فنقول بلاغة الكلمة وبلاغة الكلام، كما نستطیع أن نقول بلاغة الألفاظ وبلاغة المعانی، أی جودة كل ذلك".(26).

*ذكر ما یحتاج إلیه الكاتب من التواضع:

استحب ابن قتیبة للكاتب "أن یؤدب نفسه قبل أن یؤدب لسانه، ویهذِّب أخلاقَه قبل أن یهذِّب ألفاظه، ویصون مروءته عن دناءة الغیبة وصناعته عن شَینِ الكذبِ".

كما استهجن العرب استخدام ضمائر المتكلم، وخاصة فی صیغة الجمع وما شابهها، ونوَّهوا بضرورة أن یخلو أسلوب الكاتب من مظاهر الفخر والمبالغة والاعتداد بالنفس، لأن "نحن لا یكتب بها عن نفسه إلا آمرٌ وناه، لأنها من كلام الملوك والعظماء. قال تعالى فی سورة الحجر/9: {إنَّا نحنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ}. وقال أیضاً فی سورة القمر/49: {إنَّا كُلَّ شیءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدْرٍ}. وعلى هذا الابتداء خوطبوا فی الجواب؛ فقال تعالى فی سورة المؤمنون/99 حكایة عمَّن حضره الموت: {ربِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّی أَعْمَلُ صالِحَاً}، ولم یقل: ربِّ ارجعنِ(27)". أقول ولا یدخل فی ذلك ضمیر المتكلم فی حالة المفرد، "إذا أراد الرجل أن یعرِّف بنفسه، أو أن یمدح نفسه بالحق إذا جُهل أمره، وكان فی ذلك فائدة".(28). كما فعل سیدنا یوسف (علیه السلام) أمام الملك كما أخبر القرآن فی سورة یوسف/55: {قال اجعلنی على خزائن الأرض إنی حفیظ علیم}. كما أن حقیقة قصور علم الإنسان وحواسه المحدودة تملی على الكاتب أن یتأدب كما قال تعالى فی سورة الإسراء/85: {وما أوتیتم من العِلْمِ إلاَّ قلیلا}، وأن یتواضع كما فی الحدیث الشریف: [من قال إنی عالم فهو جاهل">، وأَنْ یتحلى بمكارم الأخلاق كما قال الشاعر:

ملأى السنابل تنحنی بتواضعٍ *** والفارغاتُ رؤوسهنَّ شوامخُ

أو كما قال عبد الله بن المعتز: "متواضع العلماء أكثرهم علماً، كما أن المكان المنخفض أكثر الأماكن ماءً".(30)، لذا فقد تبع المؤلفون العرب فی كتاباتهم منذ القرن الثالث الهجری مبدأ الاعتذار، حتى غدا قاعدة یرتكز علیها الكتَّاب مهما عظم مقامهم، ورقیَت بحوثهم. فانظر إلى تواضع ابن الأثیر مثلاً وهو یقول فی مقدمة كتابه "المثل السائر": ولا أدعی فیما ألَّفْتَهُ من ذلك فضیلة الإحسان، ولا السلامة من سبق اللسان. فإن الفاضل من تعدُّ سقطاته، وتُحصى غلطاتُهُ". وهذا لعمری یدل على تواضع ذلك العالم النِّحریر أكثر مما یشیر إلى وجود أغالیط فی كتابه.

*خاتمة:

ونختم الحدیث بضرورة أن یقوم الكاتب بمراجعة ما خطَّه یراعه، من وقت إلى آخر، لتنقیح ما سوَّد، وتهذیب ما كتب، تأمَّل مقدار الدقة والحذر الذی وصله الجاحظ عندما قال: "وینبغی لمن كتب كتاباً ألاَّ یكتبه إلا على أن الناس كلهم له أعداء، وكلهم عالم بالأمور، وكلهم متفرِّغ له... فإذا سكنت الطبیعة، وهدأت الحركة، وتراجعت الأخلاط، وعادت النفس وافرة، أعاد النظر فیه. فیتوقف عند فصوله توقف من یكون طمعه فی السلامة أنقص من وزن خوفه من العیب".(31).

*الحواشی:

(1) ـ صبح الأعشى فی صناعة الإنشا للقلقشندی، أحمد (821 ـ 1418هـ)، نسخة مصورة عن الطبعة الأمیریة 1: 51.

(2) ـ الجامع لأحكام القرآن لأبی عبد الله القرطبی، دار الفكر، بیروت، لبنان 20 ـ 120.

(3) ـ البیان والتبیین للجاحظ، عمرو (150 ـ 255 هـ)، حققه عبد السلام محمد هارون، دار الجیل ودار الفكر، بیروت، لبنان 1: 79.

(4) ـ صبح الأعشى 1: 37ـ 43.

(5) ـ المرجع السابق: 1: 45.

(6) ـ زهر الآداب وثمر الألباب للحصری، إبراهیم (؟ ـ 453هـ)، حققه وشرحه د.زكی مبارك، دار الجیل، بیروت، لبنان: 2: 480 ـ 481.

(7) ـ صبح الأعشى: 1: 44.

(8) ـ أسرار البلاغة للعاملی، بهاء الدین (953 ـ 1031 هـ). مطبوع على هامش المخلاة. دار المعرفة. بیروت. لبنان: 316.

(9) ـ عیون الأخبار لابن قتیبة، عبد الله (213 ـ 276 هـ)، نسخة مصورة عن طبعة دار الكتب 2: 157.

(10) ـ نهایة الإرب فی فنون الأدب للنویری، شهاب الدین أحمد (677 ـ 733). نسخة مصورة عن طبعة دار الكتب 7: 27 ـ 35.

(11) ـ صبح الأعشى: 1: 150.

(12) ـ المرجع السابق: 1: 165.

(13) ـ الحیوان للجاحظ. طبعة دار إحیاء التراث العربی المصورة عن الطبعة المصریة التی حققها عبد السلام محمد هارون 1: 77.

(14) ـ صبح الأعشى 1: 170 ـ 173.

(15) ـ عیون الأخبار 2 : 158.

(16) ـ صبح الأعشى: 1: 170.

(17) ـ أدب الكاتب لابن قتیبة. حققه محمد الدالی. مؤسسة الرسالة: 12 ـ 18.

(18) ـ الصناعتین لأبی هلال العسكری. طبع الأستانة : 7.

(19) ـ صبح الأعشى 1: 141 ـ 146.

(20) ـ العمدة لابن رشیق، 1: 417 . 429.

(21) ـ أسرار البلاغة: 316.

(22) ـ العقد الفرید للأندلسی، أحمد بن محمد بن عبد ربه 4: 155.

(23) ـ البیان والتبیین 1: 83.

(24) ـ العمدة لابن رشیق 1: 420.

(25) ـ الكامل للمبرد، محمد بن یزید. (210 ـ 285)، مؤسسة الرسالة. بیروت، لبنان 2: 884.

(26) ـ دائرة المعارف الإسلامیة، طبع كتاب الشعب 7: 529، مادة (بلاغة).

(27) ـ أدب الكاتب : 14.

(28) ـ كتاب التسهیل لعلوم التنزیل لابن جزی، محمد بن أحمد (؟ ـ 292 هـ)، دار الفكر، بیروت، لبنان 1: 122.

(29) ـ التاج الجامع للأصول فی أحادیث الرسول لناصیف، منصور علی، دار الكتب العلمیة. بیروت، لبنان 1: 74.

(30) ـ نهایة الإرب 3: 245.

(31) ـ الحیوان 1: 88.
+ درج شده در  شنبه 11 اردیبهشت1389ساعت 9:53 بعد از ظهر  توسط  مـــــتـــــرجــــــم عــــــربـــــي   |